قلة إدرار الحليب من أكثر الأمور التي قد تقلق الأم، فسرعان ما تبدأ في البحث عن حلول، دون أن تعرف أحيانًا ما السبب الحقيقي وراء انخفاض الحليب. لذلك، جمعتُ لكِ أسباب قلة حليب الأم حتى تفهمي ما الذي قد يكون وراء المشكلة، وسأشارككِ أيضًا حلولًا عملية تساعدكِ على التعامل معها.
![]() |
| أسباب قلة حليب الأم وطرق التعامل معها. |
لقد كانت مرحلة الرضاعة بمثابة تحدٍّ كبير بالنسبة لي، ففي كل مرة كنت أواجه مشكلة انخفاض الحليب ولا أعرف ما السبب، وهذا ما جعلني أحيانًا أقع في فخ الإرهاق والتعب النفسي. لكنني خضت هذا التحدي بكل شجاعة، ولم أتردد في البحث في مصادر طبية موثوقة عن أسباب نقص حليب الأم والحلول التي يمكن أن تساعد في التعامل مع المشكلة. وهذا ما جمعته لكِ في هذا المقال، على أمل أن يساعدكِ في فهم السبب وخوض هذه المرحلة بثقة أكبر.
أسباب قلة حليب الأم
إذا كنتِ تشعرين أن حليبكِ قليل رغم أنكِ ترضعين طفلكِ فأكيد تتساءلين ما أسباب قلة حليب الأم، في الحقيقة، لا يرتبط انخفاض إدرار الحليب بسبب واحد دائمًا؛ فقد يكون نتيجة عدم حصول الثدي على التحفيز الكافي، أو بسبب صعوبة لدى الطفل تمنعه من سحب الحليب بفعالية، وأحيانًا يرتبط بعوامل صحية لدى الأم.
من أبرز الأسباب المرتبطة بالرضاعة
- عدم إرضاع الطفل عند ظهور علامات الجوع: الاعتماد على مواعيد ثابتة للرضاعة بدل الاستجابة لإشارات الطفل قد يقلل عدد مرات الرضاعة خلال اليوم.
- قلة مدة الرضعة أو عدم فعاليتها: إذا كانت معظم الرضعات قصيرة جدًا، فقد لا يحصل الطفل على كمية كافية من الحليب، كما يقل التحفيز الذي يحتاجه الثدي للمحافظة على إنتاجه.
- إعطاء الحليب الصناعي أو المكملات بكثرة: عندما تحل الرضعة البديلة محل الرضاعة الطبيعية، تقل مرات مص الطفل للثدي، وبالتالي يقل التحفيز الذي يساعد على تصنيع الحليب.
- استخدام اللهاية بكثرة، خصوصًا في الأشهر الأولى: قد تقلل اللهاية من فرص عرض الثدي على الطفل عندما يكون بحاجة إلى الرضاعة.
- تأخير بدء الرضاعة الطبيعية بعد الولادة: قد يحدث ذلك عندما يحتاج المولود إلى رعاية خاصة أو حضانة، أو عندما تواجه الأم صعوبة في إرضاع طفلها بعد ولادة شاقة أو طويلة.
تخيلي الأمر كأن الثدي يعمل وفق نظام الطلب والعرض؛ فإذا كان الطفل يطلب الحليب باستمرار ويسحبه بفعالية، تصل إلى الجسم إشارات متكررة للاستمرار في إنتاجه. أما إذا انخفضت مرات الرضاعة أو أصبح سحب الحليب ضعيفًا، فقد يتراجع الإنتاج تدريجيًا.
صعوبات لدى الطفل قد تؤثر في إدرار الحليب الطبيعي
أحيانًا لا تكون المشكلة في قدرة الأم على إنتاج الحليب من الأساس، وإنما في أن الطفل قد يواجه صعوبة في التقام الثدي أو المص والبلع ونقل الحليب من الثدي بكفاءة. وقد ترتبط هذه الصعوبة ببعض الحالات، مثل التصاق اللسان، أو شق الشفة والحنك، أو بعض الحالات العصبية، مما قد يؤثر في قدرة الطفل على الحصول على الحليب بشكل فعال.
أسباب تتعلق بالأم
في بعض الحالات، يكون انخفاض إنتاج الحليب مرتبطًا بعوامل لدى الأم نفسها. ويمكن تقسيمها بصورة مبسطة إلى:
- انخفاض إنتاج الحليب منذ البداية: قد تواجه بعض الأمهات صعوبة في إنتاج كمية كافية من الحليب منذ بداية الرضاعة، وقد يرتبط ذلك بعوامل مثل عدم كفاية النسيج الغدي في الثدي أو بعض مشكلات الثدي السابقة.
- العمليات الجراحية في الثدي أو الحلمة: قد تؤثر بعض الجراحات، سواء كانت لأسباب طبية أو تجميلية، في قنوات الحليب أو النسيج المسؤول عن إنتاجه.
- الاضطرابات الهرمونية: بعض المشكلات الصحية، مثل تكيس المبايض، وقصور الغدة الدرقية، ومرض السكري، قد تؤثر في الهرمونات المرتبطة بإنتاج الحليب، ومنها هرمون البرولاكتين.
- بعض الأدوية: قد تؤثر بعض الأدوية في إدرار الحليب لدى بعض الأمهات، لذلك من الأفضل سؤال الطبيب أو الصيدلي عن الدواء المستخدم ومدى ملاءمته للرضاعة، بدل إيقاف أي دواء من تلقاء نفسكِ. ومن أمثلة الأدوية التي قد تؤثر في الإدرار بعض موانع الحمل الهرمونية المحتوية على الإستروجين.
- التدخين والكحول: قد يؤثران في الرضاعة بطرق مختلفة، لذلك يُنصح بتجنب التدخين والتعرض لدخانه، وتجنب الكحول أثناء الرضاعة قدر الإمكان.
- انخفاض الحليب بعد أن كان إنتاجه جيدًا: قد يحدث نتيجة تغيرات في روتين الرضاعة، مثل تقليل عدد الرضعات، أو الاعتماد المتكرر على المكملات، أو وجود مشكلة تمنع الطفل من إزالة الحليب من الثدي بكفاءة.
أسباب قلة إدرار الحليب فجأة
في بعض الحالات يكون حليبكِ جيدًا ومستقرًا، ثم تلاحظين فجأة انخفاض إدراره دون أن تعرفي السبب. لذلك، جمعتُ لكِ أهم أسباب قلة حليب الأم فجأة بعد أن كان مستقرًا.
- تقليل عدد مرات الرضاعة أو الشفط: عندما تمر ساعات طويلة دون إرضاع الطفل أو تفريغ الثدي، أو تقل جلسات الشفط بسبب العودة إلى العمل أو قضاء وقت بعيدًا عن الطفل، يحصل الثدي على تحفيز أقل، وقد يبدأ إنتاج الحليب في التراجع.
- التوتر والقلق والإرهاق: هل مررتِ بأيام متعبة تشعرين فيها بأنكِ لا تجدين وقتًا للراحة؟ يمكن للضغط النفسي الشديد وقلة النوم أن يؤثرا في عملية الرضاعة، وقد يجعل الإرهاق المستمر تجربة الرضاعة أكثر صعوبة.
- تغيرات النظام الغذائي: تفويت الوجبات أو اتباع حمية غذائية صارمة قد يحرم الجسم من الطاقة والعناصر الغذائية التي يحتاج إليها خلال فترة الرضاعة. لذلك، تحتاج المرضعة إلى تغذية كافية ومتوازنة بدل تقليل الطعام بشكل حاد.
- بعض الأدوية: قد يرتبط انخفاض الإدرار أحيانًا باستخدام بعض الأدوية، ومنها بعض مضادات الهيستامين والستيرويدات وبعض أنواع موانع الحمل.
- التغيرات الهرمونية: قد تلاحظ بعض الأمهات تغيرًا في إدرار الحليب مع عودة الدورة الشهرية، كما يمكن أن يحدث تغير في إنتاج الحليب عند حدوث حمل جديد.
- بعض المشكلات الصحية: يمكن أن تؤثر اضطرابات الغدة الدرقية، سواء قصورها أو فرط نشاطها، في إدرار الحليب. كذلك قد تترافق بعض مشكلات الثدي، مثل التهاب الثدي أو انسداد قنوات الحليب أو الاحتقان، مع صعوبة في الرضاعة وتغير في كمية الحليب.
- الإصابة بمرض أو وعكة صحية: عندما تمر الأم بمرض أو حالة صحية طارئة، قد يتغير روتين الرضاعة أو الشفط، وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض مؤقت في الإدرار.
كيف أعرف أن حليب الأم قليل فعلًا؟
قبل البحث عن أسباب قلة حليب الأم، من المهم أولًا التأكد من أن كمية الحليب منخفضة فعلًا، لأن بعض التغيرات الطبيعية في الرضاعة قد تجعل الأم تشعر بأن حليبها قليل دون أن يكون هناك نقص حقيقي. ومن المؤشرات التي تساعد على تقييم كفاية الحليب: علامات الشبع عند الرضيع، وعدد الحفاضات المبللة، وفعالية الرضاعة والبلع، وزيادة وزن الرضيع ونموه.
إذا كنتِ تريدين معرفة العلامات التي تساعدكِ على التأكد من كفاية حليب الأم بالتفصيل، يمكنكِ الاطلاع على مقال كيف أعرف أن حليبي قليل؟
هل طراوة الثدي تعني عدم وجود حليب؟
لا، طراوة الثدي لا تعني بالضرورة عدم وجود حليب أو أن إدراره قليل. قد تشعرين في بداية الرضاعة بأن الثدي ممتلئ وأكثر صلابة، ثم يصبح أكثر ليونة مع مرور الوقت وانتظام الرضاعة، وهذا لا يعني أن الحليب قد نفد.
لذلك، لا تعتمدي على ملمس الثدي وحده للحكم على كمية الحليب التي يحصل عليها طفلكِ. الأفضل النظر إلى مؤشرات أخرى مثل فعالية الرضاعة والبلع، وعدد الحفاضات المبللة، وزيادة وزن الطفل ونموه.
ماذا أفعل إذا كان حليبي قليلًا؟
إليكِ بعض الخطوات البسيطة والفعالة تساعدكِ على إدرار الحليب إذا شعرتِ أن حليبكِ قليل:
- أرضعي طفلكِ بشكل متكرر: حاولي تقديم الثدي من 8 إلى 12 مرة يوميًا، وألا تمر أكثر من 3 ساعات بين الرضعات، خاصة خلال الفترة التي تعملين فيها على زيادة الإدرار.
- اعتمدي على الرضاعة عند الطلب: بدل الالتزام بجدول صارم، قدمي الثدي بمجرد ظهور علامات الجوع على طفلكِ. فالرضاعة المتكررة ترسل إلى الجسم إشارة واضحة بأن هناك حاجة إلى إنتاج المزيد من الحليب.
- احرصي على أن تكون الرضعة فعالة: تجنبي الاعتماد على الرضعات القصيرة جدًا، واسمحي لطفلكِ بالرضاعة مدة كافية من كل جانب بدل إنهاء الرضعة بسرعة.
- أيقظي الطفل الذي يميل إلى النوم للرضاعة: إذا كان حديث الولادة ينام لفترات طويلة ولا يستيقظ للرضاعة، فقد تحتاجين إلى إيقاظه للرضاعة كل 3 ساعات، وفق احتياجاته وتوجيهات الطبيب عند وجود حالة صحية خاصة.
- حسّني طريقة التقام الثدي: تأكدي من أن فم الطفل يمسك الثدي بشكل صحيح وفعال، وليس الحلمة فقط. وإذا كانت الرضاعة مؤلمة أو كان الطفل لا يسحب الحليب جيدًا، يمكن أن تساعدكِ استشارية رضاعة طبيعية في تصحيح الوضعية وطريقة الالتقام.
- أكثري من التلامس المباشر بينكِ وبين طفلكِ: يمكن أن يساعد وضع الطفل على صدركِ بحيث يلامس جلدكِ جلده على الاسترخاء ودعم عملية الرضاعة، كما يرتبط التلامس المباشر بإفراز هرمون الأوكسيتوسين الذي يساعد على تدفق الحليب.
- تجنبي تقليل الرضعات فجأة: إذا كنتِ تريدين الحفاظ على إدرار الحليب، فلا تقللي عدد الرضعات بشكل مفاجئ، كما لا تستبدلي الرضاعة الطبيعية بالحليب الصناعي أو الأطعمة الصلبة دون حاجة أو دون مراعاة العمر والتوصيات الصحية المناسبة لطفلكِ.
- قللي استخدام اللهاية، خصوصًا في الأشهر الأولى: حتى لا تحل محل بعض الرضعات التي يحتاج إليها طفلكِ لتحفيز إنتاج الحليب.
- خففي التوتر قدر الإمكان: جربي التنفس العميق أو الاسترخاء أو الاستماع إلى موسيقى هادئة أثناء الشفط، ويمكن أن تساعد تمارين اليقظة الذهنية على تهدئة التوتر.
متى أحتاج إلى استشارة مختص؟
إذا استمر انخفاض الحليب رغم تنظيم الرضاعة والشفط، أو كنتِ غير متأكدة أصلًا من أن كمية الحليب قليلة، فلا تحاولي حل المشكلة بالتخمين وحده. يمكن أن تساعدكِ استشارية رضاعة طبيعية في تقييم التقام الطفل للثدي وطريقة الرضاعة، وقد يتم تقييم كمية الحليب التي يحصل عليها الطفل من خلال وزنه قبل الرضاعة وبعدها وفق الطريقة المناسبة.
كما يُفضل استشارة الطبيب إذا كان هناك سبب صحي محتمل، فقد يحتاج إلى:
- مراجعة الأدوية التي تستخدمينها؛ لأن بعض الأدوية قد تؤثر في إدرار الحليب.
- تقييم وعلاج مشكلات مثل اضطرابات الغدة الدرقية، أو تكيس المبايض، أو السكري، أو فقر الدم، أو التهاب الثدي.
- تقييم إمكانية استخدام أدوية محفزة لإدرار الحليب (Galactogogues) إذا كانت مناسبة لحالتكِ، بدل تناول أي محفزات من تلقاء نفسكِ.
- تقديم الدعم المناسب إذا كنتِ تعانين من القلق أو الاكتئاب أو كآبة ما بعد الولادة.
لا تحكمي على كمية حليبكِ من إحساسكِ بامتلاء الثدي أو من مدة الرضعة وحدها. إذا كان لديكِ شك حقيقي في كفاية الحليب، فمتابعة نمو الطفل ووزنه وتقييم الرضاعة بشكل صحيح أكثر فائدة من القلق والتخمين.
في النهاية، اكتشاف أسباب قلة حليب الأم هو الخطوة الأولى للتعامل مع المشكلة بدل الاستسلام للقلق أو افتراض أن جسمكِ غير قادر على إطعام طفلكِ. فقد يرتبط انخفاض الحليب بطريقة الرضاعة أو قلة مرات التحفيز، أو بصعوبة لدى الرضيع تمنعه من نقل الحليب بكفاءة، كما قد تكون هناك عوامل صحية أو هرمونية أو أدوية تؤثر في إدرار الحليب.
وأنا كأم أعرف جيدًا كم يمكن أن يكون القلق بشأن الحليب مرهقًا، لكن لا تجعلي الخوف يدفعكِ إلى التخمين. حاولي أولًا معرفة السبب، وراقبي مؤشرات حصول طفلكِ على حاجته من الحليب، واستعيني باستشارية رضاعة طبيعية أو طبيب إذا استمر انخفاض الإدرار أو كان لديكِ شك في كفايته. فطلب المساعدة في الوقت المناسب قد يريحكِ كثيرًا ويمنحكِ ثقة أكبر في رحلة الرضاعة.
